ابراهيم بن عمر البقاعي
325
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان الاستفهام إنكاريا ، كان المعنى : ليس له ما تمنى ، وكان ذلك دليلا قطعيا على أنه مربوب مقهور ممن له الأمر كله ، فسبب عنه قوله : فَلِلَّهِ أي الملك الأعظم وحده . ولما كانت الأخرى دار اللذات وبلوغ جميع الأماني وحرمانها ، وكانوا يدعون فيها على تقدير كونها جميع ما يتمنون من شفاعة آلهتهم وإجابتها إلى إسعادهم ونحو ذلك ، قدم قوله : الْآخِرَةُ فهو لا يعطي الأماني فيها إلا لمن تبع هداه وخالف هواه وَالْأُولى * فهو لا يعطي جميع الأماني فيها لأحد أصلا كما هو مشاهد ، فمن ترك هواه فيها نال أمانيه في الآخرة ، فلهذا قدمها لا للفاصلة فإنه لو قيل « الأخرى » لصلحت للفاصلة . ولما كان التقدير : فكم من شخص ترونه في الأرض مع أنه في غاية المكنة فيما يظهر لكم لا يصل إلى ربع ما يتمناه ، عطف عليه قوله ، مظهرا لضخامة ملكه وأنه لا يبالي بأحد ، دالا على الكثرة : وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ أي مقرب ، ودل على زيادة قربه بشرف مسكنه فقال : فِي السَّماواتِ أي وهم في الكرامة والزلفى لا تُغْنِي أي لا تجزي وتسد وتكفي ، ولما كان رد الجمع لحال اجتماعهم أدل على العظمة ، عبر بما يحتمل ذلك فقال : شَفاعَتُهُمْ أي عن أحد من الناس شَيْئاً فقصر الأمر عليه ورده بحذافيره إليه بقوله : إِلَّا ودل باثبات الجار على أنه مع ما يحده سبحانه لا مطلقا فقال : مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ أي يمكن ويريد اللَّهُ أي الذي لا أمر لأحد أصلا معه ، وعبر بأن والفعل دلالة على أنه لا عموم بعد الإذن بجميع الأوقات ، وإنما ذلك يجدد بعد تجدد الإذن على حينه وقبل الأمر الباب ؟ لعموم العظمة بقوله : لِمَنْ يَشاءُ أي بتجدد تعلق مشيئته به لأن يكون مشفوعا أو شافعا . ولما كان الملك قد يأذن في الشفاعة وهو كاره ، قال معلما أنه ليس كأولئك : وَيَرْضى * فحينئذ تغني شفاعتهم إذا كانوا من المأذون لهم - كل هذا قطعا لأطماعهم وعن قولهم بمجرد الهوى أي آلهتهم تشفع لهم . ولما أخبر باتباعهم للهوى ونفى أن يكون لهم من ذلك ما يتمنونه دل على اتباعهم للهوى بقوله موضع ( أنهم : ) إِنَّ الَّذِينَ وأكد تنبيها على أنه قول بالغ في العجب الغاية فلا يكاد يصدق أن عاقلا بالآخرة يقوله بما جرى لهم على قولهم ذلك وأمثاله بقوله : لا يُؤْمِنُونَ أي لا يصدقون ولا هم يقرون بِالْآخِرَةِ ولذلك أكد قوله : لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ أي كل واحد وهم رسل اللّه تَسْمِيَةَ الْأُنْثى بأن قالوا : هي بنات اللّه ، كما يقال في جنس الأنثى : بنات وَما أي والحال أنهم ما لَهُمْ بِهِ أي بما سموهم به ، وأعرق في النفي بقوله : مِنْ عِلْمٍ ولما نفى علمهم تشوف السامع إلى الحامل لهم على ذلك فقال : إِنْ أي ما يَتَّبِعُونَ أي بغاية ما يكون في ذلك وغيره إِلَّا الظَّنَّ .